محمد متولي الشعراوي
5916
تفسير الشعراوى
وكذلك حقّت كلمة ربك على هؤلاء الذين فسقوا ولا ينتهون عن فسقهم وكفرهم ، وإصرارهم على الانحراف بالعبودية لغير اللّه الأعلى والرّبّ الحق سبحانه وتعالى . والدليل على العلم الأزلىّ لله سبحانه ما نقرأه في سورة البقرة : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) « 1 » [ البقرة ] إذن : معلوم لله تعالى من يؤمن ومن لا يؤمن ، ومن يستمر ويصرّ على كفره ؛ هو الذي يلقى العذاب ، بعلم اللّه تعالى فيه أنه لن يؤمن . ثم يذكر الحق بعد ذلك ما يمكن أن يجادل به الكافرون بمنطق أحوالهم ، ففي ذوات نفوس غير المؤمنين بإله توجد نزعة فطرية لفعل الخير ، وتوجيه غيرهم إليه ، وهو موجود حتى في الأمم غير المؤمنة ، فكل قوم يوجّهون إلى الخير بحسب معتقداتهم ، فنجد بين الشعوب غير المؤمنة بإله حكماء وأطباء وعلماء ، وهؤلاء يوجهون الناس إلى بعض الخير الذي يرونه . ونجد الطفل الصغير يكتسب المعتقدات والعادات والاتجاهات من والديه ، ومما يسمعه من توجيهاتهم ، فتجده يبتعد عن النار مثلا أو الكهرباء ؛ لأنه ترسخت في ذهنه توجيهات ونصائح غيره ؛ بل إنه يتعلم كيف يتعامل مع هذه الأشياء دون أن تصيبه بالضرر . إذن : يوجد توجيه من الخلق إلى الخلق لجهات الخير ، ألا نجد في الدول غير المؤمنة بإله من يرشد الناس إلى الطرق التي يمكن أن يسيروا فيها
--> ( 1 ) في الآية إشارة إلى مجتمع النفاق ومجتمع النفاق يعيش بين مجتمعين : المجتمع الإيمانى مصداقا لقوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) [ البقرة ] ، والمجتمع الكافر مصداقا لقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 ) [ النور ] ، ومجتمع النفاق أخطر من مجتمع الكفر ، فالكفر معلن وأنا مستيقظ له ، أما النفاق فهو خداع .